مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
263
شرح فصوص الحكم
والمراد بالمثل هو الإنسان المخلوق على صورته والمراد بالمماثلة هو الاتصاف بصفات الحق كالحياة والعلم والقدرة وغير ذلك ما عدا الوجوب الذاتي ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فشبه ) ولم يقل ونزه وإن كان فيه التنزيه أيضا لعدم استفادة التنزيه من نفس الكلام بل إنما يستفاد التنزيه من تقديم الضمير بخلاف الأول فإن التنزيه والتشبيه مستفاد من نفس الكلام ( وهي ) أي هذه الآية ( أعظم آية تنزيه نزلت ومع ذلك لم تخل عن تشبيه بالكاف فهو ) أي الحق ( اعلم العلماء بنفسه وما عبر عن التعبير عن نفسه إلا بما ذكرناه ) من التنزيه والتشبيه بحكم العقل والوهم ( ثم قال سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وما يصفونه إلا بما تعطيه عقولهم فنزه نفسه عن تنزيههم إذ حددوه بذلك التنزيه ) والتحديد بالتنزيه تشبيه وهم لا يشعرون بذلك ( وذلك ) التحديد الذي يلزمهم من تنزيههم ( لقصور العقول عن إدراك مثل هذا ) أي عن إدراك أن التنزيه عين التحديد بخلاف الوهم فإنه يدرك ذلك لذلك حكم على العقل بالتشبيه فيما نزهه فلما نزه وشبه ثم نزه نفسه عن التنزيه وأبقى التشبيه على حاله كان الاعتماد في إدراك الأمر على ما كان عليه في نفسه على الوهم دون العقل فإن الأمر في نفسه لا يخلو عن صورة ما بالشرع والكشف ، والعقل يجرده عنها دائما والوهم يشبهها له دائما ( ثم جاءت الشرائع كلها ) من لدن آدم إلى محمد عليهم السلام ( بما تحكم به الأوهام كلها ) وما حكم الأوهام إلا بسريان الحق في كل صورة من الصور التنزيهية والتشبيهية فكذلك الشرع جاء نزه وشبه ثم نزه عن التنزيه وقرر بذلك حكم الوهم فإذا جاءت الشرائع بما حكم به الأوهام ( فلم تخل ) من الأخلاء أي لم تجعل الشرائع ( الحق ) خاليا ( عن صفة تظهر فيها ) إذ لا بد بظهور الحق من صفة وثبوت تلك الصفة له عين التشبيه على أن كونه في كنزه ظهوره بصفة الخفاء والعماء وتنزيه الشرع إنما هو بمقتضى العقول لا لكون الأمر في نفسه كذلك لذلك نزه عن تنزيه العقول بقوله سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( كذا ) أي كقولي هذا ( قالت ) الشرائع ( وبذا ) أي وبما حكم الأوهام ( جاءت فعلمت الأمم ) أي جميع الأمم ( على ذلك ) أي على ما جاءت به الشرائع وحكم الأوهام ( فأعطاها ) أي الأمم ( الحق التجلي ) الذي يحصل به شهود سريان الحق في جميع الصور كما أعطاه الرسل ( فلحقت ) الأمم في هذا التجلي ( بالرسل وراثة فنطقت ) الأمم ( بما نطقت به رسل اللّه ) من التنزيه والتشبيه وقال اللّه تعالى ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ، فاللّه أعلم موجه له وجه بالخبرية إلى رسل اللّه ) على تقدير أن يكون قوله لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ كلاما تاما بأن جعل مفعول أوتي الذي أقيم مقام الفاعل ضميرا عائدا إلى الرسل ، فعلى هذا قوله رُسُلُ اللَّهِ مبتدأ اللّه خبره واعلم خبر مبتدأ محذوف أي رسل اللّه هم عين اللّه من جهة اتصافهم بالصفات الحقانية وإن كانوا غيره من جهة اتصافهم بالصفات الامكانية فكان هذا القول من قبيل إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ